الشريف الرضي

278

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

أدلة العقل وقواعد العد ل . وهذا أصل من أصول الدين يجب العمل عليه والوقف عنده . وكيف يجوز أن يتوهم العاقل انه سبحانه أعطى الكفار الصحة والسلامة والاملاء والإقامة ، ليفتروا عليه ويكفروا به ! وكيف يجوز أن يسخط عليهم بفعل ما خلقهم من أجله وحاشهم [ 1 ] إلى فعله ، على قول الخصوم ! أولا يستمعون إلى قوله تعالى : ( إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي . . . ) [ 2 ] ! والحكيم لا يأمر إلا بما يريده ولا ينهى إلا عما يكرهه ، لان أمره بالشئ يدل على حسنه ، ونهيه عن الشئ يكشف عن قبحه . وبعد ، فان ظاهر هذه الآية لا يدل على أنه تعالى أراد الكفر منهم ، وإنما يدل على أنه أراد العقوبة لهم ، لان ظاهر الخطاب ينبئ عن الجزاء لا عن نفس الفعل في العرف ، ويؤيد ذلك ما يتصل به من قوله تعالى : ( ولهم عذاب مهين ) ، ونحن لا نمنع من أن يريد تعالى عقوبتهم ، وإنما نمنع من إرادته الكفر والمعاصي منهم ، وهذه اللام وإن كانت ترد في كلامهم بمعنى كي ، فإنها ترد أيضا بمعنى المصير والعاقبة ، وليس حملها على الوجه الأول بأولى من حملها على الوجه الثاني ، لا سيما إذا انضمت إليها القرائن التي تخصصها به وتحيزها

--> ( 1 ) حاشهم : صرفهم . ( 2 ) النحل : 90 .